
مع أول النهار كنا ننفلت من أبواب البيوت إلى الحارة .. أنا ومحمد وسامية وعاطف وعلى وسيد .. وأخته سيدة.
مابين الأستغماية وكهربا ومساكة الملك كان النهار يمر ، لنضطر لدخول منازلنا مع نداء أهالينا الذى قد يتحول إلى لسعة خزرانة أو أحيانًا إلى ضربة شبشب .
ودائمًا فى منتصف النهار حين يحمى اللعب ، فى تلك المرات النادرة جدًا التى أنجح فيها بجسدى الضئيل فى التغلب على عاطف(فتوة الشلة) وفى عز لحظات انتصارى أسمع صوت أمى (يلعلع ) من البلكونة :
- واد يا صلاح .. خد هات بجنيه جبنة من عمك سمير .
تلقى بالجنيه لتظهر على وجهى ملامح العكننة ، وقبل أن أتذمر ، تكون ( سيدة ) قد جرت والتقطت الجنيه من على الأرض .
- خليه يلعب والنبى يا خالتى وأنا هاروح أجيبلك .
تنظر أمى إليها فى كسوف مصطنع :
- يوه يا بنتى كده أتعبك معايا .
( تعبك راحة يا خالتى ) تقولها سيدة وتجرى إلى آخر الحارة ، فى الطريق تصطدم بأمها
- على فين يا بت.
- ها جيب حاجة لخالتى أم صلاح .
يرتفع صوت أم سيد فى وسط الحارة :
- ليه إن شاء الله .. وفين سيد الرجالة ابنها .. ننوس عين أمه يلعب مع العيال وبنات الناس يخدموها .
تنجح سيدة بعد جهد فى الانفلات من لسان أمها ومن ذراعها ، تجرى لتلاحقها بفردة شبشب واحدة بينما الأخرى مرفوعة فى يدها تريد أن تنال من جسد الصغيرة .
تزاحم أهل الحارة ليحجزوا بينهما بينما يكتمون الضحكات ....
- معلش يا أم سيد .. قلبك أبيض ياختى .. أم صلاح زى أختك وسيدة بنتها .. ماتفوريش دمك ، إنتى صاحبة مرض .
كانت سيدة قد انفلتت بعيدًا عن الجمع ، قذفتها أم سيد بفردة الشبشب وصرخت :
- روحى .. أصلك هبلة وخدامة .
يضحك أهل الحارة جميعًا ، تنظر إلينا بنفور ، ثم تخطو إلى داخل بيتها فى أنفة ولا تنسى أن تصفق الباب فى وجه الجميع .
اليوم التالى كان عندنا ماتش مهم جدًا ، وكنت أجدع واحد يقف (جون ) وفريقنا معتمد عليا .
- يا صلاح إجرى هات كيس صابون .
أمى دائمًا تختار اوقاتاً عجيبة لطلباتها .. قبل أن أبدى إعتراضًا كانت سيدة قد قامت
- انا رايحة أجيب كيس صابون لأمى هاتى أجبلك معايا يا خالتى .
طبعًا كانت سيدة تكذب ، أدركت أمى ذلك ، ألقت إلى بنظرتها المؤنبة ، وقالت لسيدة فى كسوف ( حقيقى هذه المرة ) :
- يعنى يا بنتى كل يوم أتعبك كده .
جرت سيدة إلى آخر الحارة ، حاولت أن تتحاشى نظرات أمها الجالسة على عتبة بيتهم .. لم تقم أم سيد من جلستها لكن فردة الشبشب الطائرة إنطلقت إلى سيدة
- روحى أصلك هبلة وخدامة .
فى مساء كل يوم ، وبعد صلاة العشاء فى جلستنا مع أبى كانت أمى تحكى له عن الواد العبيط اللى مارضاش يروح يجيب الجبنة أو الصابون أو السكر أو ... أو ... أو ....
- والبت سيدة الله يبارك فيها بت طيبة وجدعة راحت جابت الحاجة ونفدت بقدرة قادر من لسان أمها .
ينظر إلى أبى تلك النظرة المؤنبة ، لكنها تتلاشى حين أقوم مقلدًا أم سيد فى مشيتها المتمايلة ، واقذف بفردة شبشب وهمية فى الهواء ، واصيح محاولاً تقليد صوت أم سيد
- روحى أصلك هبلة وخدامة .
تضج الغرفة بالضحك ، حتى أبى لا يستطيع أن يكتم ضحكه .
حتى سيدة نفسها كانت تضحك حين أقلد أمها ، فأزمجر واصيح :
- بتضحكى ، أصلك هبلة وخدامة .
فى ذلك الصباح لف الحارة صمت غريب ، منعنا جميعًا من النزول إلى الحارة ، حاولنا أن نعرف السبب .. لا مجيب .
نظرت من النافذة ، لأجد صوانًا كبيرًا كالذى أقيم فى فرح محمد أخويا الكبير .
فى المساء أخرجت أمى من الدولاب البدلة السوداء التى فصلوهالى فى فرح محمد ، ولم ارها من يومها .
- البس وانزل مع أبوك .. إنت خلاص بقيت راجل .
هو فرح إذن ، إرتديت البدلة ، مشطت شعرى بالفازلين ،قليل من الكلونيا من زجاجة أبي..
ونزلت معه .. كان الجميع يجلسون فى صمت ( ربما فى إنتظار العوالم ) فقط ثلاثة واقفون .. اتجه أبى إليهم وشد على أيديهم بحرارة ، خاصة أبو سيد ، وتمتم بكلمات لم اتبينها .. مددت يدى بدورى لأسلم ، قلت لعم أبو سيد ( مبروك ) .. لكن يبدو أنه لم يسمعنى فقد هز رأسه فى أسى ، جذبنى أبى من ذراعى قبل أن أرفع صوتى كى يرد عم أبو سيد ( الله يبارك فيك .. عقبالك ).
عرفت فى الأيام التالية أن ما ذهبت إليه لم يكن فرحًا ، عرفت أن أم سيد ماتت ، عرفت أن سيد وسيدة عند خالتهم حتى الأربعين ، عرفت أنى لن ارى سيدة .. حتى الأربعين .
لم يكن زمنًا طويلا كما تخيلت ، عاد سيد ومعه سيدة ، لم يبديا رغبة فى اللعب فى البداية ، لكنهما تحمسا حين عرفا أننا نلعب استغماية كنت اصيح ( خلاويص ) وبدلا من ( لسه ) سمعت صوت أمى :
- يا صلاح روح هات حاجه ساقعة من عم سمير .
تركت سيدة مخبئها وجرت إلى النقود
- أنا اجيبلك يا خالتى.
تهللت أمى لرؤيتها
- سيدة .. حمدلله على سلامتك .. عامله إيه يا حبيبتى ؟..
ظهر شبح ابتسامة على وجه سيدة وتمتمت .. الحمد لله .
جرت إلى آخر الحارة .. هذه فرصتى لأضحكها .. صحت كعادتى
- روحى .. اصلك هبلة وخدامة .
لكن سيدة لم تضحك ، ولم يضحك أحد .
كاميليا حسين
2004
مابين الأستغماية وكهربا ومساكة الملك كان النهار يمر ، لنضطر لدخول منازلنا مع نداء أهالينا الذى قد يتحول إلى لسعة خزرانة أو أحيانًا إلى ضربة شبشب .
ودائمًا فى منتصف النهار حين يحمى اللعب ، فى تلك المرات النادرة جدًا التى أنجح فيها بجسدى الضئيل فى التغلب على عاطف(فتوة الشلة) وفى عز لحظات انتصارى أسمع صوت أمى (يلعلع ) من البلكونة :
- واد يا صلاح .. خد هات بجنيه جبنة من عمك سمير .
تلقى بالجنيه لتظهر على وجهى ملامح العكننة ، وقبل أن أتذمر ، تكون ( سيدة ) قد جرت والتقطت الجنيه من على الأرض .
- خليه يلعب والنبى يا خالتى وأنا هاروح أجيبلك .
تنظر أمى إليها فى كسوف مصطنع :
- يوه يا بنتى كده أتعبك معايا .
( تعبك راحة يا خالتى ) تقولها سيدة وتجرى إلى آخر الحارة ، فى الطريق تصطدم بأمها
- على فين يا بت.
- ها جيب حاجة لخالتى أم صلاح .
يرتفع صوت أم سيد فى وسط الحارة :
- ليه إن شاء الله .. وفين سيد الرجالة ابنها .. ننوس عين أمه يلعب مع العيال وبنات الناس يخدموها .
تنجح سيدة بعد جهد فى الانفلات من لسان أمها ومن ذراعها ، تجرى لتلاحقها بفردة شبشب واحدة بينما الأخرى مرفوعة فى يدها تريد أن تنال من جسد الصغيرة .
تزاحم أهل الحارة ليحجزوا بينهما بينما يكتمون الضحكات ....
- معلش يا أم سيد .. قلبك أبيض ياختى .. أم صلاح زى أختك وسيدة بنتها .. ماتفوريش دمك ، إنتى صاحبة مرض .
كانت سيدة قد انفلتت بعيدًا عن الجمع ، قذفتها أم سيد بفردة الشبشب وصرخت :
- روحى .. أصلك هبلة وخدامة .
يضحك أهل الحارة جميعًا ، تنظر إلينا بنفور ، ثم تخطو إلى داخل بيتها فى أنفة ولا تنسى أن تصفق الباب فى وجه الجميع .
اليوم التالى كان عندنا ماتش مهم جدًا ، وكنت أجدع واحد يقف (جون ) وفريقنا معتمد عليا .
- يا صلاح إجرى هات كيس صابون .
أمى دائمًا تختار اوقاتاً عجيبة لطلباتها .. قبل أن أبدى إعتراضًا كانت سيدة قد قامت
- انا رايحة أجيب كيس صابون لأمى هاتى أجبلك معايا يا خالتى .
طبعًا كانت سيدة تكذب ، أدركت أمى ذلك ، ألقت إلى بنظرتها المؤنبة ، وقالت لسيدة فى كسوف ( حقيقى هذه المرة ) :
- يعنى يا بنتى كل يوم أتعبك كده .
جرت سيدة إلى آخر الحارة ، حاولت أن تتحاشى نظرات أمها الجالسة على عتبة بيتهم .. لم تقم أم سيد من جلستها لكن فردة الشبشب الطائرة إنطلقت إلى سيدة
- روحى أصلك هبلة وخدامة .
فى مساء كل يوم ، وبعد صلاة العشاء فى جلستنا مع أبى كانت أمى تحكى له عن الواد العبيط اللى مارضاش يروح يجيب الجبنة أو الصابون أو السكر أو ... أو ... أو ....
- والبت سيدة الله يبارك فيها بت طيبة وجدعة راحت جابت الحاجة ونفدت بقدرة قادر من لسان أمها .
ينظر إلى أبى تلك النظرة المؤنبة ، لكنها تتلاشى حين أقوم مقلدًا أم سيد فى مشيتها المتمايلة ، واقذف بفردة شبشب وهمية فى الهواء ، واصيح محاولاً تقليد صوت أم سيد
- روحى أصلك هبلة وخدامة .
تضج الغرفة بالضحك ، حتى أبى لا يستطيع أن يكتم ضحكه .
حتى سيدة نفسها كانت تضحك حين أقلد أمها ، فأزمجر واصيح :
- بتضحكى ، أصلك هبلة وخدامة .
فى ذلك الصباح لف الحارة صمت غريب ، منعنا جميعًا من النزول إلى الحارة ، حاولنا أن نعرف السبب .. لا مجيب .
نظرت من النافذة ، لأجد صوانًا كبيرًا كالذى أقيم فى فرح محمد أخويا الكبير .
فى المساء أخرجت أمى من الدولاب البدلة السوداء التى فصلوهالى فى فرح محمد ، ولم ارها من يومها .
- البس وانزل مع أبوك .. إنت خلاص بقيت راجل .
هو فرح إذن ، إرتديت البدلة ، مشطت شعرى بالفازلين ،قليل من الكلونيا من زجاجة أبي..
ونزلت معه .. كان الجميع يجلسون فى صمت ( ربما فى إنتظار العوالم ) فقط ثلاثة واقفون .. اتجه أبى إليهم وشد على أيديهم بحرارة ، خاصة أبو سيد ، وتمتم بكلمات لم اتبينها .. مددت يدى بدورى لأسلم ، قلت لعم أبو سيد ( مبروك ) .. لكن يبدو أنه لم يسمعنى فقد هز رأسه فى أسى ، جذبنى أبى من ذراعى قبل أن أرفع صوتى كى يرد عم أبو سيد ( الله يبارك فيك .. عقبالك ).
عرفت فى الأيام التالية أن ما ذهبت إليه لم يكن فرحًا ، عرفت أن أم سيد ماتت ، عرفت أن سيد وسيدة عند خالتهم حتى الأربعين ، عرفت أنى لن ارى سيدة .. حتى الأربعين .
لم يكن زمنًا طويلا كما تخيلت ، عاد سيد ومعه سيدة ، لم يبديا رغبة فى اللعب فى البداية ، لكنهما تحمسا حين عرفا أننا نلعب استغماية كنت اصيح ( خلاويص ) وبدلا من ( لسه ) سمعت صوت أمى :
- يا صلاح روح هات حاجه ساقعة من عم سمير .
تركت سيدة مخبئها وجرت إلى النقود
- أنا اجيبلك يا خالتى.
تهللت أمى لرؤيتها
- سيدة .. حمدلله على سلامتك .. عامله إيه يا حبيبتى ؟..
ظهر شبح ابتسامة على وجه سيدة وتمتمت .. الحمد لله .
جرت إلى آخر الحارة .. هذه فرصتى لأضحكها .. صحت كعادتى
- روحى .. اصلك هبلة وخدامة .
لكن سيدة لم تضحك ، ولم يضحك أحد .
كاميليا حسين
2004
No comments:
Post a Comment