
عمّ تبحث ؟
كانت بعيدة ، غارقة في ضوء شمس الغروب ، كحمل وديع يثب وحده هنا و هناك عند ضفة النهر الرحبة . كانت تجلس القرفصاء بين حين و آخر لتفتش بين الحصى ، ثم تقوم ببطء منحنية لتلتفت باحثة يسرة و يمنة . و مضت عليها ساعة أو ساعتان ، و هي على هذه الحال .
ترى من أية أسرة هذه البنت ؟
و عم تبحث في هذه الخلوة بعيدا عن البلدة ؟
هل ضاع منها شئ في هذا المكان ؟
توجهت إليها تاركا صنارة الصيد على الدفة ، تراودني رغبة قوية في الاستطلاع .رفعت وجهها فجأة عندما سمعت خطواتي ، و كانت جالسة القرفصاء .إنها بنت في السابعة أو الثامنة من عمرها ، لطيفة الملامح . و كانت تطل من عينيها الكبيريتين الشبيهتين بلؤلؤتين سوداوين سحابة رقيقة من الكآبة غير المنسجمة مع سنها . و بدت تنورتها البيضاء غير نظيفة ، تتراءى عليها بقع و لطخات هنا و هناك . أما عقدتا الفراشة ، اللتان من صنع يدها الصغيرة بالتأكيد ، فمربوطتان بضفيرتيها الرفيعتين دون أي ترتيب .ما أن رأيتها تنظر إلىّ بنظراتها الحذرة ،
حتى سألتها بلطف :- عمّ تبحثين يا صغيرتي العزيزة ؟
أسبلت جفنيها و هي تلعب بحصوة حادة في قلق .
- هل تريدين أن أساعدك في البحث ؟
ربما تأثرت بحرصي الصادق ، فقالت أخيرا بصوت خافت بعد صمت طويل :- أبحث عن زهرة حجرية .
- زهرة حجرية ؟
- إنها زهرة من الحجر .
انتابني شعور بالغضب . من صاحب هذا اللهو الخبيث الذي يخدع بنتا صغيرة بريئة . زهرة من الحجر –
هل تتفتح الزهرة الحجرية ؟- من أخبرك بوجود هذا النوع من الزهر ؟
عادت إلى صمتها ، و اتجهت بنظرها إلى مياة النهر المتلألئة .
- إنهم يخدعونك يا صغيرتي
.- أبدا ، هذا ما قالته أمي .ردت بصوت خافت .
أمها ؟ ترى هل أمها كذلك ؟! و أصبت بالذهول .
ترددت قليلا ، ثم قالت موضحة الحقيقة :- يتشاجر أبي و أمي كل يوم على الرغم من وساطة الآخرين . و قد قالت أمي بأنها لا تتصالح مع أبي إلا بعد أن تنبت الزهرة الحجرية .آه ، أكاد لا أملك نفسي لما أصابني من دهشة و ذهول ...- بدأت أبحث عنها منذ عدة أيام ، لكنني لم أجدها حتى الآن ..و خيم ظل شاحب على وجهها الساذج . و فجأة نظرت إلىّ بإلحاح :- هل جئت يا عم إلى بلدتنا لزيارة الأهل ؟هل عندكم هناك زهرة حجرية ؟و تلألأ نور الأمل في عينيها الكئيبتين .أمام هاتين العينين تقلص قلبي ، و تشنج من شدة الألم – كيف أرد عليها ؟
عن مجموعة قصصية من الأدب الصيني بعنوان " درس في الحب "
تأليف : لي تشيلو ي
ااقترحتها للنشر : نرمين عيد
مجلة هووهي العدد 296 مايو 2002
2 comments:
جميله ورائعه
thanks for sharing
أشكرك .. هي حقا قصة تلفت الانتباه و الإحساس
مرورك شرفني و أتمنى تكرار الزيارة يا سابرينا
Post a Comment