" تعبت "رددتها أمام المرآة بعد زفرة عميقة .. لم تدرِ كم من الوقت مر إلا حينما أحست بعينيها تؤلماها ألما لا يحتمل .. خلعت العدسات البنية و أطلقت شعرها بسيطا مموجا .. ارتدت فستانها الأحمر القاني الذي تمنت كثيرا أن يراها فيه .. لكنه كان يكره اللون الأحمر فأودعت الفستان الدولاب لحين تستطيع التبرع به .. فهي لن تبيعه ولو بمليون جنيه .. كل مرة كانت ترتديه فيها و هو بالخارج كانت ترى نفسها في قمة الجمال و الأنوثة .. و كثيرا ما كانت تقول لصديقاتها و إخوتها – قبل أن يدخل حياتها – " هذا الفستان كأنه صنع خصيصا لأجلي أنا .. و كأنني ملكة و هو تاج عرشي " .. لكنها تجاهلت تاجها بعد أن ظهر ذاك الرجل في حياتها لأنه كان يفضل التركواز الباهت .. و حرصت على فرد شعرها المموج لأنه كان يحب الشعر المفرود .. و صبغته بالأسود لأنه لم يكن حالكا بما يكفي في رأيه هو .. و تركته طويلا متساوي الأطراف لأنه يفضله كذلك .. كانت تخبره كثيرا أنها تشعر بأنوثتها في شعرها القصير المستدير المدرج ثلاث تدريجات حد الكتفين .. لكنه كان لا يعترف بهذه ( التقاليع ).. و يرى الفتاة خلقت لكي يكون شعرها طويلا .. منسدلا .. مفرودا .. حالك السواد كما الليلة المعتمة .. و ماهي دون ذلك فقد فقدت – في رأيه – نصف أنوثتها .. كانت تحاول طوال الوقت أن تبدو أنثى كاملة في نظره .. منقّبَة عن كل ما يمثل له النصف الأخر من الأنوثة .. فتخلت عن كل شئ بدءا من الفستان الأحمر حتى لون عينيها اللبنيّ لأنه يشعره بالغثيان و اللاروح .. و هي كانت تكتفي دوما بقولها " يكفي أن يراني أميرته وحده حتى ولو لم أرى نفسي هكذا " .. أحست مع مرور الوقت أنها صارت تكره مرآته.. تركت الكعب العالي و ارتداء الذهب الأبيض .. زاد وزنها .. هدَّأت من صوت ضحكتها .. و جعلت علاقاتها بجميع معارفها حتى عائلتها شديدة الوقار بشكل قتل الروح فيها .. كانت تعشق تفاصيل تفاصيله.. زيه شديد الهندام .. أحذيته السوداء الضيقة .. طريقة رده على الموبايل دائما بـ " نعم " .. نبرات صوته التي كانت تتغير حسب شخصية المتصل .. سلسلة مفاتيحه التي ذهبت ألوانها منذ زمن .. الطريقة التي كان يسعل بها .. حتى شعيرات ذقنه النابتة دائما .. نظرات عينيه التي كانت تنبؤها دائما أنها امرأة ناقصة الأنوثة .. لا تدري لماذا كان يراها هكذا لكنها كانت تقول لنفسها دائما " لأنه يحبني فإنه يحب أن يراني في أجمل صورة من وجهة نظره هو .. و ما فائدة أن أرى نفسي جميلة بطريقتي وهو لا يتذوقها .. لابد أن ينظر إلىّ فيرى حلمه في النساء جميعا متجسدا فيّ وحدي " .. كانت تمنحه بغير تفكير أكثر مما لديها بالفعل .. لاهثة وراء إرضائه، و دوما ما كانت
تسأله : " راضي عني ؟" .. فيجيبها : "إلى الآن .. نعم" .. 1
و عندما كان يتركها وحيدة كانت تكره نفسها و تتساءل " و لماذا لا يفعل هو معي بالمثل ؟ فتجيب .."لا يهم فأنا أحبه و أشعر بالسعادة و أنا أحقق له أحلامه .. فأنا أسعد نفسي برضاه عني قبل أن أسعده " .. و استمر الوضع على ما هو عليه إلى ذلك اليوم الذي جاءها فيه في غير موعد عودته .. كان صوته ناعما و لكنه حاسما .. قال لها كلاما كثيرا لا تتذكر منه شئ غير أنها شعرت بعد ذهابه بأن روحها قد عادت إليها من جديد .. أول ما فعلته - بعد خلع الفستان الأحمر القاني و ارتداء بلوزتها البيضاء المطرزة باللون الوردي على شكل فراشة مع البنطلون الجينز الفاتح - أن ذهبت إلى مصففة الشعر الأجنبية التي تركتها منذ وقت مضى .. أخبرتها أنها تريد أن تنسحر كلما نظرت للمرآة .. أمرتها أن توضِّح مواطن الجمال في وجهها و شعرها بما يلائم شفائها من مرض الموت .. أشارت لها بالحد الذي تريد أن تقصر شعرها عنده و القصة التي تهواها .. و ترجتها أن يكون المقص حادا و سريعا جدا ثم تغسله بالشامبو و البلسم بشكل يكفي لتطهيره من العشق و الاسترضاء ثم تتركه يجف وحده .. أخبرتها أن ترسم عينيها بالآي لينر الأسود خطا رفيعا .. و أن تضع لمسة من الماسكرا السوداء على رموشها القصيرة .. و تركت لها اختيار لون الظلال .. بينما اختارت أن يكون طلاء شفتيها لون بين اللونين الوردي و النبيتي .. هذه الدرجات التي تعشقها .. و كذلك أخبرتها ألا تضع كثيرا من كريم الأساس على وجهها و أن تنتقي روجاجو برونزي مائل للون الوردي وخفيف أيضا .. أخبرتها خبيرة الزينة أن هذا المكياج لا يتناسب مع الفستان الأحمر لبساطته المبالغ فيها .. ولا ترك الشعر مموجا مبتلا وبصفة بين المصبوغ ولونه الطبيعي و بغير أن يمسه السشوار أو مكواة الشعر .. لكن صاحبة العيون السماوية أخبرتها أنها تقتنع بنفسها هكذا .. و تريد أن ترى نفسها حينما تنظر للمرآة كما خلقها الله .. فوظيفة المكياج أن يبرز الجمال لا أن يصنعه .. فحققت لها المصففة ما حلمت به طوال سبع سنوات من النزيف المتواصل بغير آثار لدماء .. عادت لبيتها بعد أن ذهبت لتركيب عطرها المفضل برائحة الفل و اقتناء كوليه من الذهب الأبيض الإيطالي لينير في سماء الأحمر القاني .. و أخيرا أضاءت نظرتها الفاتنة الكون كله و هي تسمع " طيري يا طياره " التي حُرِّم عليها سماعها .. و أقسمت أن تبقى على هيئتها هذه منذ السابعة صباحا يوميا حتى التاسعة مساءا .. عسى أن يجيها " مسرور " في أي وقت ليسلمها وثيقة الميلاد .. فيصدأ السيف الذي طالما هددها به شهريار و يليق مظهرها الجديد باستعادة حلم شهرزاد القديم كما تراه هي
......
إيمان الميهي
22/3/2008
4 comments:
تدوينة رائعة حقا
جميل تلك الحالة التي تجعلنا نتحول برضانا من فاعلين الى مفعول بنا لإرضاء من نحب
تحياتي
أنا حر
أشكرك جدا
لكن برضه اللي بيحب حد بيحبه زي ما هو .. و الحب تكامل و ليس ذوبان
نورت البلوج
I like it so much. It is important to feel satisfied about yourself in order to feel happy. No happiness without satisfaction.
راااااااااااااااااااااااااائعه رائعه بجد يا ايمان
Post a Comment