رائعة : المتعة و الحزن
وقف الطفل الصغير أمام فاترينة محل ملابس الرجال يتأمل باهتمام شديد ما يراه خلف الزجاج .لم يكن يشاهد البدل الجديدة الأنيقة المعروضة فيها و لم يكن يحلم بأن يكبر و ستطيع أن يشتري واحدة من هذه البدل .. بل و لم يكن ينظر أساسا إلى هذه البدل الأنيقة إنما كان يرقب بشغف و حنين ( الموديلات ) الوردية اللون المصنوعة بدقة و جمال من البلاستيك على هيئة الرجال و هي ترتدي تلك البدل ! .. يتأمل ملامح الوجوه الوسيمة و لون شعر الرأس و لون العيون و ما توحي به من انطباعات عن شخصية كل موديل .فهذا ( الرجل ) وسيم ، لكن ملامحه توحي بالقسوة ، و هذا ( الرجل ) أقل وسامة لكن ملامح وجهه مريحة و هذا الرجل وسيم و شديد الشبه بوالد زميله في الفصل ، و كل هؤلاء الرجال فيهم أناقة و وسامة و وجوههم باسمة .. لكنه لا يجد بينهم ضالته
......................
لم تكن المرة الأولى التي يمارس فيها هواية تأمل وجوه الموديلات في نوافذ المحال التجارية الكبرى .. فهو يتأملها دائما كلما خرج مع أمه لتشتري بعض حاجاتها من الأسواق ، فتجذبه من يده بحزم كلما أطال الوقوف أمام أحدها ، لكنها المرة الأولى التي يمارسها فيها منفردا و بحرية بعيدا عن رقابة أمه و جذبها المستمر له من أمام المحال .. فلقد تأخرت اليوم في الحضور لاصطحابه من مدرسة الحضانة و وجد حارس الباب منشغلا بالحديث مع بعض آباء الأطفال الذين يحييهم باحترام كلما جاءوا لاصطحاب أطفالهم فتسلل من باب المدرسة و راح يتمشى في الشوارع وحيدا ينتقل من محل إلى آخر .. و من رصيف إلى رصيف باحثا عن فاترينة المحل القريب التي عثر فيها منذ أيام خلال مصاحبته لأمه عن ( الرجل ) الذي يريده و يتمناه لنفسه ! إنه طويل وسيم باسم يبدو حنونا و محترما في نفس الوقت .. و سوف ينهض حارس المدرسة تحية له حين يحضر لاصطحابه منها ظهر كل يوم كما فعل مع الآباء المحترمين
......................
و بمصادفة نادرة وجد نفسه أمامه ينظر إليه باسما و مادا ذراعيه يستعرض البدلة الأنيقة التي يرتديها كأنما يسأله هل تعجبك ؟ فتسمر أمامه و راح يرقبه في صمت و خياله ينشط .. إنه يريده لنفسه أبا يحبه و يخافه و يفتخر به أمام زملائه بالمدرسة و أطفال جيرانه .. فكلهم لهم آباء و هو وحده الذي لا أب له .. مات في الحرب كما قالت له أمه و لم تبق منه سوى صورة صغيرة معلقة في حجرة الصالون يقف فيها إلى جوار أمه بملابس الزفاف .. لكن الأب الذي في الصورة لا يتكلم و لا يتحرك و لا يداعبه و لايخرج معه في نزهة .. و لابد من أب جديد .. فبدأ يبحث عنه في وجوه جيرانه لكنهم مشغولون جميعا لهم زوجات و أبناء .. فبدا يبحث عنه في نوافذ المحال التجارية ! إن هذه المحال تجيد اختيار الرجال الذين يقفون في شرفاتها و سوف يجد ضالته فيها ..و بدات رحلته للبحث عنه كلما اصطحبته أمه لشراء شئ من الأسواق .. و ضايقه كثيرا أن أمه لا تفضل الوقوف أمام محال ملابس الرجال و تصحبه غالبا إلى محال ملابس الأطفال و محال الملابس النسائية .. أمه جميلة و صغيرة و حزينة و ترتدي السواد دائما و تلاعبه أحيانا و تبكي أمامه في أحيان أخرى و تحتضنه في الليل و تنام .و كلما سألها لماذا لا يكون له أب آخر بدلا من الأب الذي في الصورة تبتسم ابتسامة حزينة و تطالبه بالحديث في موضوع آخر
......................
و ها قد وجد فرصته ليقنعها ( بشراء ) أب من هذا المحل .. فدخل مرتبكا ليسأل البائع عن ثمنه ! و تعجب البائع من أن يفكر طفل في شراء بدلة كبيرة للرجل أو أن يسأل عن ثمنها فداعبه و طالبه بأن يعود مع أبيه لشرائها .. و ذهل الرجل قليلا حين قال له الطفل أنه لا أب له و أنه لا يريد شراء البدلة وحدها لكن شراء ( الرجل ) بملابسه ليكون له أبا و يريد فقط أن يعرف الثمن ليقنع أمه بذلك ! و ربت البائع على خده و أفهمه برقة أن المعروض في النافذة ليس رجلا و إنما نموذج لرجل و أنه ليس للبيع .. لهذا فهو لا يصلح لأن يكون أبا لأحد .. و عليه أن يبحث عن ضالته بين الرجال الذين يتكلمون و يمشون و يضحكون ، فخرج الطفل حزينا و البائع يتابعه بعطف و تأمل !و سار الطفل في الشارع يتأمل الرجال الذين يعبرون الطريق و يرفع رأسه إلى أعلى يتأمل الوجوه و يقف أمام المطاعم يرقب من وراء الزجاج الرجال الذين يتناولون الطعام .. و يتجاهل الرجال الذين يسيرون بصحبة سيدات و أطفال و يركز النظر على الرجال الذين يسيرون أو يجلسون وحدهم
......................
ثم اصطدم بساق رجل .. فانحنى عليه الرجل معتذرا و مبتسما .. فتعلقت نظرات الطفل به كأنه نجدة هبطت عليه من السماء .. إنه قريب الشبه من الرجل الآخر الواقف في نافذة المحل .. ووسيم و محترم مثله .. و أكثر من ذلك يسير وحيدا في الشارع .. و قد مضى الرجل في طريقه فوجد الطفل نفسه بتلقائية يسير خلفه . كان الرجل يحمل في يده حقيبة أوراق صغيرة .. و لا يبدو في عجلة من أمره فراح يمشي على مهل .. و يتوقف أحيانا أمام بعض المحال التجارية و من خلفه يسير الطفل كلما سار و يتوقف كلما توقف و لا يرفع عينيه عنه ! ثم دخل الرجل مقهى صغيرا فتردد الطفل في الدخول وراءه فوقف ينتظره أمام بابه .. و لم يختف الرجل طويلا عن أنظاره فلقد اختار مائدة مطلة على الشارع و جلس إليها و فتح حقيبته و أخرج منها صحيفة و راح يحتسي القهوة و يقرأ
......................
فقال الطفل لنفسه إن هذا هو بالضبط الأب الذي يريده .. أب يقرأالصحيفة و يشرب القهوة و يبدو محترما من الجميع .. و لم يشعر بالوقت الذي مضى و هو واقف أمام المقهى .. لكنه تنبه فجأة إلى الرجل و هو ينظر إليه بدهشة .. و يبدو كأنما تذّكره ! إنه يشير إليه أن يدخل المقهى .. فتردد قليلا ثم دخل .. و اتجه إليه و استقبله الرجل بعطف و سأله : هل تريد شيئا أيها الصغير ؟ فلم يجد جوابا . و شجعه الرجل قائلا : هل تريد أن تاكل أو تشرب شيئا ؟ فهز رأسه نافيا فعاد يسأله هل تريد نقودا ؟ فهز رأسه مرة أخرى بشدة فتنبه الرجل إلى شيئ غاب عنه فقال : يا إلهي أنت صغير جدا و ربما لم تبلغ السادسة .. ترى هل فشلت في العودة إلى بيتك و تريدني أن أصطحبك إليه ؟ فاشار الطفل برأسه مجيبا . فسأله : أين تسكن ؟ فلم يستطع الطفل أن يتذكر اسم الحي أو الشارع .. فدفع الرجل ثمن القهوة ثم نهض و أمسك بيده و اصطحبه خارجا و هو يقول له : دعنا نبدأ من البداية .أرني كيف بدأت رحلتك حتى وصلت إلى هنا و سار الطفل معه .. و في الطريق سأله في خجل : هل عندك سيدة و طفل ! فضحك الرجل و قال له : تقصد هل أنا متزوج ؟ لا لست متزوجا أيها الصديق الصغير . فتردد الصبي قليلا ثم قال له ببراءة : و هل تريد سيدة و طفلا ؟
......................
فاستولت الدهشة على الرجل تماما و راح يسأله عن سبب تفكيره في ذلك و الطفل يجيب في سذاجة حتى عرف القصة كاملة و لمعت عيناه بالتأثر و التفكير .. ثم تمالك نفسه و قال له : إن علينا أن نعرف أولا أين تقيم و نعيدك إلى أمك .. إنها تبحث عنك الآن في كل مكان و شديدة القلق عليك .. ثم لنبحث الأمر بعد ذلك معا .و اعتبر الطفل ذلك موافقة فانفرجت أساريره .. و تملكته فرحة طاغية و أمسك بيد أبيه الجديد باعتزاز و تمنى لو صادف في الطريق بعض زملائه في المدرسة الذين يتحدثون دائما عن آبائهم ليقدمه إليهم .و مضى الاثنان ينتقلان من شارع إلى شارع و الطفل يضحك و يسأل و يتكلم و الأب يجيب على أسئلة "ابنه " باهتمام .. و يتوقف من حين لآخر ليسأل شرطي المرور أو أحد المارة عن موقع المدرسة التي قرأ اسمها منسوجا على قميص الطفل
......................
و أخيرا اقترب الاثنان من مبنى المدرسة و عبرا البوابة الرئيسية فما دخلاها حتى صرخت الأم من الفرح حين رأت طفلها و جرت إليه باكية .. و جرى الطفل إليها سعيدا و رفعته عن الأرض و غمرته بقبلاتها و دموعها .. ثم تنبهت للرجل الذي كان يرقب المشهد متأثرا ، فمدت إليه يدها و شكرته بحرارة .. و أجابها الرجل بكلمات قصيرة ، ثم استأذنها و استدار لينصرف .. فصاح الطفل يطالبه بالبقاء و أحس الرجل بالحرج قليلا ثم وعده بأن يزوره في البيت في وقت آخر و أشار إليه بيده و واصل طريقه .. فطالب الطفل أمه ألا تدعه يرحل لأنه يريد أن يذهب معهما إلى البيت و أن " يبقى " معهما دائما .. و قد اتفق معه على ذلك و وافق الرجل .. لقد عثر عليه بعد أن تعب كثيرا من البحث عنه في الشوارع لأنه الشخص الذي يريده أبا له و أدركت الأم الموقف و سألته عما قاله له و استمعت إليه ساهمة و إشفاقها على طفلها الوحيد يتزايد كلما ازداد حماسا في الحديث عن الرجل .. ثم قالت له و هي تجذبه إلى طريق العودة للبيت : سوف يعود قريبا و سوف يقيم معهما .. و سوف يتغير نظام حياتهما و تصحبه هي إلى المدرسة في الصباح و يعيده هو من المدرسة إلى البيت عند الظهر .. و سوف يلتقون معا كل يوم على مائدة الغداء ..و يشاهدون التليفزيون معا في المساء و يخرجون يوم الإجازة إلى حديقة الحيوان .. و إلى السينما كما يريد و سوف يكون له أب وسيم يفتخر به أمام أصدقائه في الزيارات العائلية و يقبّله كل مساء قبل أن ينام كما يفعل الآباء مع أبنائهم الصغار و اختتمت كلامها قائلة : سيحدث كل ذلك يا صغيري صدقني ألم يقل أمامك أنه سيزورنا في وقت آخر !ثم مسحت دموعها بظهر يدها .. و مضت في الطريق إلى بيتها ممسكة بيد طفلها الصغير الذي يتقافز سعيدا و مبتهجا و هو يعد في خياله ما سيقوله لزملائه في المدرسة عن أبيه الجديد .و ظهرت كلمة ( النهاية ) فوق ظهر الأم الحزينة و الطفل السعيد !
......................
إنها قصة غريبة قدمتها السينما الروسية منذ أكثر من 25 سنة فكانت من الأفلام القليلة التي يندفع المشاهدون عقب مشاهدتها للتصفيق بحرارة و انفعال كأنهم في مسرح يقف فوق خشبته أبطاله .. و يردون لهم التحية بالانحناء أمامهم .و قد ذكّرتني بها منذ أيام زميلة مثقفة .. فاستعدت في نفسي ما بقى في ذاكرتي من تفاصيلها و وجدت لها نفس الأثر الذي أبدع الشاعر الروسي بالمين حين اختصره في كلمات قليلة قائلا عن قصة من نفس النوع الإنساني للأديب العظيم تشيكوف اسمها ( محنة ) :" إنها صورة صادقة من الحياة تترك في نفس قارئها أثرا غريبا هو مزيج من المتعة و الحزن .. تماما كما تختلط الفكاهة بالأسى أحيانا في حياة الناس !".
و ما أكثر ما تختلط المتعة و الحزن في حياة البشر فلا المتعة تطول و لا الحزن يخلد .. لأنها طبيعة الحياة أن تكون كأسا متمازجة من الاثنين غالبا .. أو دائما أو في كل الأحوال
المصدر :كتاب : افتح قلبك
مقالات و صور أدبية للأستاذ الراحل عبد الوهاب مطاوع رحمه الله و أسكنه الفردوس الأعلى اللهم آمين
3 comments:
بصراحه قصة رائعة اوى يا ايمان بجد تحووووووووفة خير ما نقلتى ربنا يبارك فيكى بامتعاك ايانا
لسة هقول مين المبدع اللي كاتب الكلام دا لقيته فيلم روسي ..
بس اختيار اكثر من رائع .
شكرا لك .
رحيق الحب : أشكرك يا هالة .. أنا كمان باحب القصة دي جدااا
محمد العدوي : شكرا لك و لقد أصبت المبدع الذي صاغها في ثوب رائع هو الرائع عبد الوهاب مطاوع .. أهلا بك و أتمنى تكرار الزيارة
Post a Comment